الأحد , 23 نوفمبر 2014
أنت هنا: الرئيسية » مقالات » غبار معركة الكلام
غبار معركة الكلام

غبار معركة الكلام

قديماً قال  عربي ( اسمع جعجعةً ولا أرى طحيناً) ولم أجدُ اصدقَ من هذا القول انطباقاً على مؤتمرنا الوطني الذي حسبناه سيحمل أعباء الوطن وهموم المواطن، بداية من الدخول الجاد في مراحل وضع الدستور وانتهاء بمعالجة أوضاع فئة بائسة تم سحقها تحت أرجل غول الأسعار، وهم المتقاعدين غير المستفيدين من الزيادات ،وأصحاب المعاشات الذين لم نسمع ولم نر واحداً من السادة أعضاء المؤتمر المؤقرين يتحدث عنهم ولو من باب تحفيز الحكومة على أن تتخذ إجراء بشأنهم . وغير ذلك من مواضيع المرحلة ذات القيمة. وكل ما سمعناه وشاهدناه خلال الأشهر المنصرمة من عمر المؤتمر قبل أن يمنع نشر ذلك الغسيل ألردي على الهواء ، جدلاً لم يرتقي إلى مستوى المسئولية ، وجعجعةً لم تنتج طحيناً ، وأحاديثاً لا ترتقي إلى ما يطمح المواطن  ، فمن استغراق في النقاش الحاد بين فريقين من أصحاب الفرص  ومن الزهاد، اخذ أكثر من جلسة احدهما لا يرتضي بغير مساواة مرتبات السادة الأعضاء المائتين  بمرتب رئيس الوزراء لأنهم الأعلى في هرم المسئولية ،وبين من يرى ذلك منطقاً  مبالغاً فيه،وفي غير أوانه،يجرح اسر الشهداء الذين يعولون على رجال في مستوى التضحيات،ولا تطيق سماعه الطبقات المحرومة من حق العيش الكريم الشاخصة بعيونها إلى مؤتمر تحسب انه سيحضر لها عرش بلقيس ، أو أن يشق لها طريقاً في البحر منتظرة منه ما لا يُنتظر من ردع للحواة الذين للأسف تزايدوا إلى النصف على امتداد ساحاتنا الليبية في غياب الدولة، ولم تنتهي زوبعة الكلام إلا بعد أن أحيل الموضوع إلى جهة أجنبية محايدة ! اقترحت (وماذا يضيرها) أن يصرف للأعضاء مرتب وزير وليس رئيس وزراء ! ورحم الله أعضاء مؤتمر الشعب العام (زمن النهب والظلم)  الذين لم يتقاضوا درهماً واحداً زيادة على مرتباتهم عدا علاوة المبيت، ولا نريد أن نقول كلاماً آخر حتى لا يقال إننا أزلام ، وفي جلسة أخرى من جلسات مؤتمرنا العجيب من التي كانت تبث على الهواء ويراها العالم من كندا إلى رأس الرجاء، لمن يريد أن يتعلم من ممارسة الليبيين للديمقراطية، محاججةً عنيفة بين عضوين احدهما يصف الآخر بأنه من الأزلام لأنه من مدينة بعينها ، والثاني يخرجه من دائرة المواطنة لان ثامن جد لأبيه من  بلاد الترك!وكلام كثير وهرج ومرج ومحاصصات وجهويات ،واتفاقات خلف الستار على ذلك الذي حصد اكبر عدد من الأصوات كي لا يُمكَّن من رئاسة الوزراء ، ولو كان البديل خيال مآته،والعجيب أن جميعهم في العلن يرفع شعار (الوطن أولا)  وماذا شاهدنا أيضا في هذا المحفل الذي طالما انتظرناه  ؟ كيانات سياسية ولا نريد أن نقول أحزاب لان مضامين المعنيين بعيدة ، جعلتنا عندما لمسنا ممارستها ،وشاهدنا خطابات دعاتها جعلتنا  نقترب من  قناعة الملك إدريس الذي أغلق الباب بينها وبين دخول البرلمان،بل وابعد واحداً من أشهر قادتها خارج البلاد ، احد هذه الكيانات  يصف الليبيين بأنهم محدودي الثقافة، ويحاول مشكوراً أن ينير بالإسلام عقولنا ، ويبدد ما يعشش فينا من رواسب الجاهلية  ، ومن اجل إعادة البناء  يعتبر أن كل ما كان منذ عهد محمد على في مصر إلى الأن لا يعبر عن الاتجاه الذي كان يجب أن تسلكه الأمة ، بل هو انتكاسة لمسيرة حضارتنا الإسلامية ، لذلك يجب تقويض كل ما تم تشييده، وإعادة تشكيل العقول من جديد وفق رؤية مستنيرة شاملة كفلها الإسلام . وهو كلام جميل لكن لم نفهمه لاعتماده على التعميم دون التفصيل ، وهم صدقوا في وصفهم لنا بعدم الفهم، لأن كثير منا  نحن أصحاب العقول( الملبَّكة) لا نر  وفق تفكيرنا المتواضع حاجة لإنشاء أحزاب تحكم باسم الدين،ولا نر مبرراً لحمل شعارات تنويرية في بلادنا  الخالية من الطوائف المتنوعة والعقائد المختلفة ،   لان عددنا أل الستة مليون يكفي لتنويره وعاظ وخطباء دون واجهات سياسية  ، ولأننا كُلَّنا وسطيَّون مالكيون،عدا بعض الأباظية، وقليل من جيل الأحناف الوهابيين ،الزاحف الجديد بيننا(إذا صدق الوصف) وجميع هؤلاء الليبيين على اختلاف مشاربهم (إذا اعتبرنا الأحناف من أنصار مدرسة الرأي والقياس منذ ظهورها في العراق ،استناداً على تخريجات أستاذ أبي حنيفة إبراهيم ألنخعي ، والشافعية والحنابلة والمالكية أنصار مدرسة الحديث في الحجاز

استناداً على تخريجات فقيه مدرستهم الأول  سعيد ابن المسيب) هذه الوسطية الخالية من التطرف  التي يعتنقها جميع  الليبيين  على اختلاف مشاربهم حسبما نسمع من مداخلات،  ونقرا من كتب، لا تحرم عمل المرأة، ولا تفرض عليها النقاب، ولا تمنعها من تقلد المناصب، وجميعهم يعتبرون الأضرحة من التراث الذي يجب أن يبقى ما لم يعبد ، ولا يضطهدون مستأمناً، ولا يحتقرون ذمياً ، ولا يفرضون بالإكراه عقيدة، ويرون أن الإسلام جوهر قبل أن يكون مظهر،ولا ينادون بولاية الفقيه ،ولا ينتظرون الإمام الغائب، ويرون طاعة ولي الأمر واجباً شرعياً  ما دام عادلاً ، ويرون واجب الأمر بالمعروف والنهي مأمور به كل فرد مسلم لا يحتاج إلى لجان تتولاه بالعصا  ، وجميعهم منفتحون على كل حضارات العالم وشعوبه ، غير منغلقين على أنفسهم ولا يحبون المنغلقين  ، محافظين يكرهون التهتك والانحلال ،ويدركون جميعهم أن الحضارة الإنسانية، والرقي المعرفي والعلمي إنما هو نتاج تلاقح فكري لا يحاربه إلا متخلف .

 فإذا كنا جميعاً نعتنق هذا المفهوم الوسطي للإسلام قبل أي حزب أو كيان ، فما هي الرسالة التنويرية  السرية التي يزمع  تطبيقها ذلك الحزب أو الكيان عندما يصل  إلى سدة الحكم ؟وأعود من جديد إلى القول بأننا لم نفهم إلا إذا كان للحزب الذي اتخذ شعار الدين  برنامج تنموي ليس له علاقة بالدين ، وإما وهي الأخطر أن يكون للحزب أهداف لا يجوز الإفصاح عنها إلا عندما يصل إلى سلطة القرار وذلك ما لا نتوقعه.ومن خلال متابعتنا المتواضعة  للكيان الآخر،  والذي يبدوا انه المستحوذ الأكبر على مقاعد المؤتمر لما يملك رئيسه تحديداً من نجومية اكتسبها بجدارة  أبان التحرير، ومن مقدرة فائقة على الخطابة ،والسلاسة في الأسلوب ،والقدرة على طرح المعضلة وحلها ، ولما يملك من منهجية ذكية  في التعامل مع الآخرين،  وقدرة على الرد  دون تجريح على من قالوا فيه ما قال مالك في الخمر ، من الذين لم يستطيعوا اللحاق به ، وكأني به  مردداً  الشطر الأخير من بيت للشافعي الذي يقول ( وخير من إجابته السكوت)  هذا الكيان المستحوذ وصاحب هذا الخطاب الراقي، رغم كل مؤهلات

 الكلام، والتحليل الدقيق الذي استحوذ علينا به، لم نر ولم نسمع حتى الآن  ممن يمثلونه رأي يفرح ، أو وعد يبشر بعد جلوسهم على المقاعد وكأنهم بيادق متخشبة  من فرسان لا تنطق إلا إذا وضع الكلام في فمها ، ولا تتحرك إلا بناء على تعليمات مسبقة ، ووفق هذا الوصف لا ننتظر من هؤلاء بل ننتظر من ذاك ،وقديما قالت العرب (ألف كأفٍ ورجل كألفٍ) .مما يدفعنا للقول ولماذا الأحزاب إذا كان الجالسين على المقاعد  التي تمثلها الأحزاب ، ويشغلون ما يقارب النصف إنما هم شخوص جميلة تحمل رباطات العنق الأنيقة  والاشاربات الراقية لكنها مسلوبة الفكرة تنتظر دائماً من يصدر إليها الكلام ونوع الكلام وحدود الكلام  ،  فيما الجالسين الفعليين على المقاعد التي تمثل نصف المؤتمر والغائبين عن عين المشاهد  هم رؤساء  تلك الكيانات الذين لا يصل عددهم أصابع اليد الواحدة  . وبين هذه الكيانات التي تُزيِّن لنا شعاراتها ولم تفرحنا ببشارة واحدة مما تقول،  فريق من المستقلين فرض عليهم صراع الأقوياء التكتل حتى يكون لهم حضور من الكلام وسط ذلك الضجيج ، ورغم أن المستقلين تميزوا على ممثلي الكيانات بأنهم الأقرب التصاقاً بالمواطن،  والدليل ما تحصل عليه احد مستقلي بنغازي من أصوات فاقت المتوقع ،  وهم نسبياً مقارنة بممثلي الكيانات الأكثر ثقافة وتأهيلا وربما وطنية ، وأنهم يمثلون أشخاصاً حقيقيين ، وليسوا ظلال لصور، ويعول عليهم أكثر مما يعول على الكيانات إذا انحرفت قياداتها   رغم كل ذلك  التميّز  إلا أنهم( أي المستقلين)  جزء من الكل يحتويهم إطار المشهد المملوء بالتراب والرغام ،وتشملهم عدوى الفشل الذي يتنقل بين الأعضاء  ، لذلك لم تكتمل فرحتنا بهم حيث استدرجت بعضهم الكيانات الضاغطة للتصويت لهذا وذاك على حساب الفكرة  ، ونسي أو تناسى  كل منهم الدائرة التي أوصلته أصواتها إلى ذلك المقام  ،والتي يفترض انه يحمل همومها ويشاركها الفكرة ، حيث لم نر ولم نسمع أياً من هؤلاء  من الذين اختفوا علواً  تواضع فنزل قليلاً ، أو أن أحداً منهم  أصاخ مرة  إلى رأي دائرته ، أو اجتمع مع بعض من قومه،  أو طلب مشورة منهم  ولو كاذبة من باب المجاملة ،  أو

فتح حواراً عاماً معهم ولو من باب الشكر لهؤلاء الذين وضعوه في ذلك البرج العالي  الذي أدار لهم منه ظهره عندما رآهم كالنمل ،وله العذر في ذلك لان الدنيا مقامات هكذا تقول أبجديات المصالح ، والصدارة والوجه يجب أن تعطى للسيد الأعلى مقاماً .

في هذا الغبار الخانق الذي عليه مؤتمرنا من معركة الكلام، والذي لم ينجلي بعد عن فارس يقنعنا بما يجري، وأمام تناقص شهوره ألاثني عشر الراكضة دون أن يشد زمامها احد ، وهذا الضعف الذي ظهر به كثير من الأعضاء الذين كنا نعول عليهم ، يجلس المواطن الليبي متعجباً  من ذلك المشهد البائس ،أمام شاشاته الباهتة واضعاً عشرته على رأسه مما يرى، مركزية مقيتة لا تتنازل حتى عن فتح فرع في بنغازي( مدينة الثورة) لمؤسسة كانت إدارتها الرئيسية بها في يوم من أيام السيد إدريس ، سرقات بالملاين، لم تخبرنا أي من إذاعاتنا عن ذلك الذي قبض عليه في تركيا يحمل تلك الرزم النقدية المليونية، وكأن الموضوع يخص بلداً آخر! بل إن إحدى المحطات مُنعت من نشر حديث يتعلق بالكشف عن مستور المليارات  بحجج غير معروفة ومن جهات لا نعرف مدى تسلطها، هروب جماعي من السجون ، استشراء ثقافة النهب واستغلال النفوذ وإبقاء كثير من الفاسدين في إداراتهم رغم التحقيقات التي كشفت ممارساتهم ، مليارات لا يجرؤ احد على الإفصاح عن مآلها بعد انتهاء التجميد ،ديوان محاسبة تمزق أوراقه،  نواب شرفاء هُددوا عندما لعلعوا بالحق، محللين سياسيين اختطفوا عندما قالوا ما لا يعجب ، وزراء ضربوا ، قضاة اتهموا بعدم النزاهة  رغم أنهم كانوا يطبقون قوانين واجبة النفاذ ، وماذا  قبضنا نتيجة لهذا الفراغ وهذا الاتهام ؟ ظهر في بلادنا قضاء من نوع  آخر لا يحتاج  صحائف دعوى ومرافعة ،ولا يحتاج قضاة ولا محامين  حيث اُختُزِلَ كل ذلك في رصاصات يطلقها من يشاء على من يشاء وأين يشاء ،  وصرنا نتحدث جميعاً عن مقتول لا نعرف لماذا قتل، وقاتل لا نعرف من هو، ومن أعطاه صلاحيات القتل،  حتى لقد طال القتل سفراء دول لم يكن ليمسوا لو لم تكن دولتنا كرتونية لهذا الحد المزعج  .

لكل ما ذكرناه ، وأمام حالة الضعف الذي عليه مؤتمرنا ، وإمام تواضع أداء الأعضاء ، وأمام الحاجة الملحة لدفع عجلة تأسيس الدولة إلى الأمام فان الواجب والمنطق  يستدعي  ألا يكون للمؤتمر الوطني الضعيف هذا ،  اليد الطولى في إقرار الدستور الذي يعول عليه الليبيون ويمس مصالح الأجيال القادمة وليست الآنية فقط ، ويؤسس لنهضة حقيقية ، لذلك فالحل الحتمي الذي نراه  والذي قال به كثير من الليبيين أن يطرح استفتاء عام تحت إشراف المفوضية النظيفة التي أشرفت بنجاح على  انتخاب المؤتمر الوطني بحيث يتولى المواطن صاحب الحق الأصيل مباشرةً، ( دون تمثيل من كيان أو إنابة من مستقل)  اختيار شكل الدولة ونوع الحكم (فيدرالية مركزية ألامركزية جمهورية ملكية نظام نيابي نظام رئاسي) كما يجب أن يستفتى عن جدوى الأحزاب في هذه المرحلة، وهل يسمح  لأحزاب ذات مشاريع دينية تنويرية تشرح لنا الدين بالمشاركة الحزبية ، وغير ذلك مما يختصر الجهد والزمن على المؤتمر ،ويخرجه من حرج الاتهامات ،كما إن التعجيل بالاستفتاء سوف يخرج البلاد من حالة الفراغ إلى حالة من ملا الفراغ ، وسوف يُحوّل  كثير من الجدل غير الهادف إلى جدل مثمر يرسم ملامحه المواطن دون نيابة أو وصاية فهل من مستمع؟.

بقلم/ جابر مقرب جابر

التعليقات مغلقة

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة برنيق